عاصم ابراهيم الكيالى الحسيني الشاذلى الدرقادي
62
مجموع لطيف أنسى في صيغ المولد النبي القدسى
وقد جرت العادة أيضا بالقيام عند قراءة مولده عليه الصلاة والسلام لدى ذكر الوضع الشريف وما يتبعه من حسن التوصيف ، وهذا القيام لم يفعله السلف وإنما عمل به من بعدهم من الخلف . وليس هو في الحقيقة للذات المحمدية كما توهمه قوم من البرية فاعترضوا وأطنبوا وإلى إنكار فعله ذهبوا ، وإنما هو قيام فرح وسرور وابتهاج وطرب وحبور ببروزه صلى اللّه عليه وسلم لهذا الوجود وإشراق نوره فيه على كل موجود وشكر للّه تعالى على ما به أولى من هذه النعمة العظيمة والمنّة الجسيمة التي هي منة الإنعام به على الخليقة من غير استحقاق منهم ولا سبب ظاهر ولا عمل طريقة ، والقيام والرقص ونحوهما فرحا بالمصطفى صلى اللّه عليه وسلم أو بما هو منه أو راجع إليه له أصل أصيل في الشرع الشريف يعتمد ويعوّل عليه . فقد لعبت الحبشة بحرابهم المستلزم لزفنهم واضطرابهم لما قدم عليه السلام المدينة فرحا بقدوم طلعته المباركة وعزّته الفخيمة ، أخرج ذلك أبو داود في « سننه » من حديث أنس بن مالك . وكذلك لعبوا في المسجد النبوي في يوم عيد من الأعياد بالدرق والحراب لعبهم المعتاد وجعلوا يزفنون - أي يرقصون - والنبي صلى اللّه عليه وسلم وعائشة ينظران إليهم وهو عليه السلام يقول تنهيضا لهم وتنشيطا : دونكم يا بني أرفدة . يعني جدوا فيما أنتم فيه من هذا اللعب المباح الذي لا حرج فيه ولا جناح . والأحاديث بذلك في الصحيحين وغيرهما مسطرة ولدى كل إمام من أئمة الحديث معلومة مقرّرة . وفي حديث أحمد وابن ماجة عن قيس بن سعد بن عبادة أنه عليه السلام كان يقلس له - أي يضرب بين يديه بالدف والغناء يوم الفطر . ذكره في « الجامع الصغير » وما كان ذلك في الحقيقة إلا فرحا بالحضور عنده والمثول بين يديه في هذا العيد المبارك الذي يغبط فيه بوجوده بينهم ويحن إليه . وليس المقصود من لعب الحبشة في المسجد مجرّد التدرب ، كما ادّعاه بعضهم ، لأن المسجد ليس محلا لذلك ولا جرت العادة فيه بما هنالك . وكذلك لما قدم عليه السلام المدينة خرج جوار من بني النجار في الطرقات يضربن بالدفوف ويقلن بالأصوات المرتفعات : نحن جوار من بني النجار * يا حبذا محمد من جار زاد بعضهم : فمرحبا بذا النبي المختار * ومرحبا بسيد الأبرار الحديث ذكره أبو سعد النيسابوري في « شرف المصطفى » وغيره وأخرجه البيهقي وشيخه الحاكم عن أنس . وانظر فهل ذاك أيضا إلا فرحا برؤية جماله وابتهاجا بقدومه وإقباله . وفي ابن ماجة عن أنس : أنه عليه السلام مرّ ببعض أزقّة المدينة فإذا هو بجوار